الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
408
نفحات الولاية
إلى البدع التي وردت إلى الدين عقب وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، ولم يكتف القوم بالقياس عند عدم وقوفهم على نصوص الكتاب والسُنّة ، بل هبّوا لمخالفة صريح القرآن وسُنّة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله . فالخليفة الثالث خالف طريقة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في توزيع أموال بيت مال المسلمين وتسويته بينهم في العطاء ، فقدم الأعيان والأشراف ولا سيما خاصته وبطانته من قرابته . ثم انبرى الخليفة الثاني ليقول صراحة : متعتان كانتا حلالًا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأنا أُحرمهما وأعاقب عليهما ، متعة النساء ( الزواج المؤقت ) ومتعة الحج ( الحج بصورة حج التمتع ) ناهيك عن سائر البدع التي ظهرت على عهد الخلفاء والتي أحصتها بعض الكتب « 1 » . والإمام عليه السلام بدرايته الواسعة شعر أنّه إن لم يقف بوجه هذه البدع لمحق الدين وغيبت أحكامه ، ولذلك عدَّ الابتعاد عن البدعة من الإيمان . ثم قال عليه السلام : « وَأَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لَايُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ، وَلكِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ » . ومن ثم أشار إلى نقطة بمثابة الدليل على ما ذكر ، فقال : « فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمُورَ وَضَرَّسْتُمُوهَا « 2 » ، وَوُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَضُرِبَتِ الْأَمْثَالُ لَكُمْ ، وَدُعِيتُمْ إِلَى الْأَمْرِ الْوَاضِحِ » . بمعنى أنّكم شاهدتم حجم المصائب والإرباكات التي جرّتها البدع السابقة على الإسلام والمسلمين . فالبدع في زمان عثمان أدّت إلى تلك الثورة الهوجاء التي سفكت دمه وأحدثت التمييز بين العرب والموالي ، إلى تلك الفرقة بين المسلمين أيضاً وكان عاقبتها سفك دمه أيضاً « 3 » . وناهيك عمّا سبق ، فإنّ اللَّه ذمّ اليهود في القرآن الكريم على بدعهم وتحريفاتهم وكشف عن مصيرهم ، وأنتم قد جرّبتم البدع وقد وعظتم بمن كان
--> ( 1 ) . راجع النص والاجتهاد للمحقق المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين ( 2 ) . « ضرستموها » من مادة ( ضرس ) على وزن درس ، بمعنى ، العض أو البعض أو العض الشديد بالأسنان ، ثموردت بمعنى الدراسة الدقيقة للشيء ، وهذا هو المراد بها في العبارة ( 3 ) . ذكرنا قصّة أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة الذي شكى مظالم المغيرة إلى عمر فلم يُصغِ له فشعر بالبغضوالكراهية له حتى قتله . راجع الجزء الأول من هذا الكتاب ، ذيل الخطبة الشقشقية